محمد جواد مغنية

191

في ظلال نهج البلاغة

كل ما دلت التجربة على أنه يعود على الحياة بالتخلف والضرر فهو شر ، وكل ما دلت التجربة على أنه يعود بالخير والنفع فهو خير ، وقد يكون الشيء الواحد ضررا في حال دون حال ، فيكون شرا في الأولى دون الثانية ، ولذا نقول : هذا واجب لأنه نافع ، وذاك حرام لأنه ضار ، ولا نقول : هذا نافع لأنه واجب ، وذاك ضار لأنه حرام . وكلام الإمام يومئ إلى أن الشر على نوعين ، منه دنيوي ، ومنه أخروي ، وكذلك الخير ، وان أقل القليل من شر الآخرة أعظم بكثير من شرور الدنيا مجتمعة وان أقل خير في الآخرة أعظم من خيرات الدنيا بكاملها ، ومن حكم الإمام : « ما خير بخير بعده النار ، وما شر بشر بعده الجنة ، وكل نعيم دون الجنة فهو محقور ، وكل بلاء دون النار فهو عافية » . ثم أوضح الإمام هذا المعنى وأكده بقوله : ( وكل شيء من الدنيا سماعه أعظم من عيانه ) لأن القول قد يغش ويخدع دون العيان ، ولذا قيل : اقرأ تفرح جرب تحزن ( وكل شيء في الآخرة عيانه أعظم من سماعه ) . كل ما في الآخرة من نعيم وجحيم يفوق التصور ، وتضيق عنه الكلمات للتفاوت الهائل بين أشياء الدنيا وأشياء الآخرة هنا كانت أم شقاء ، ولذا ورد في وصف الجنة : « ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » . ( فليكفكم من العيان السماع ، ومن الغيب الخبر ) . عيان الآخرة ممتنع الآن ، وهي أعظم من سماعها بكثير ، ومعنى هذا ان سماعها حق وصدق ، بل ودون الحقيقة ، وهو كاف واف في التحذير والتبشير ، وإقامة الحجة للَّه على الناس ، وما دام الأمر كذلك فعلينا أن نستجيب إلى هذا السماع ، ونتقي عذاب جهنم ، ونعمل للجنة عملها . ( واعلموا إنما نقص من الدنيا إلخ ) . . إذا كان للفعل جهتان : جهة نفع ، وجهة ضرر فالعبرة دائما بالأكثر ، فما كان نفعه أكبر من ضرره فهو مرغوب فيه ، وما كان ضرره أكبر من نفعه فهو مرغوب عنه ، ومن البديهة ان منافع الدنيا بكاملها لا تعادل أدنى ضرر في الآخرة ، ومعنى هذا ان أي عمل يجر شيئا من ضرر الدنيا يجب تركه والإعراض عنه ( فكم من منقوص ) في الدنيا هو ( رابح ) في الآخرة ( ومزيد ) في الدنيا هو ( خاسر ) في الآخرة .